شخصيات ملهمة

ساتيا ناديلا – تعرف على المدير التنفيذي لمايكروسوفت

على مر العقود الماضية، كانت هناك منافسة شرسة بين شركتي آبل ومايكروسوفت في سوق أنظمة التشغيل الأساسية لأجهزة الحاسوب المتطورة، وما زاد هذه المنافسة حدة التكافؤ الكبير بين عملاقي التكنولوجيا، اضف إلى ذلك العلاقة المتوترة وحرب التصريحات بين الثنائي ستيف جوبز وبيل جيتس المحركين الأساسيين لكلتا الشركتين.

وكان بيل جيتس وستيف جوبز قد واصلا تراشق إتهامات السرقة ونسخ مواصفات نظام التشغيل لوقت طويل، واستمرت تلك المشاكل إلى أن وصلت أن يُلقي جوبز كلمات قاسية على نظيره بيل جيتس واصفاً إياه بأنه “شخص غريب الأطوار، يفتقر للخيال الواسع، لم يبتكر شيء في حياته وهو ما يجعله مُرتاحًا أكثر بنشاطه في مجال الأعمال الخيرية عما هو عليه في مجال التكنولوجيا، لقد نسخ أفكار أناس آخرين دون خجل”، وعلى الجانب الآخر قال بيل جيتس أن الأول هو من نسخ مجهوده في نظام تشغيل macOS.

وبشكل عام، فقد تطرقنا للحديث عن تلك الأمور في مقالات سابقة حول شغف بيل جيتس وايضًا قصة ستيف جوبز ولكننا وبعد 45 عامًا من تاريخ تأسيس الشركتين كنا نرى أنه من الضروري أن نتحدث عن قادة هاتين المؤسستين (الأقل صدامية لحسن الحظ)، ففي المقال السابق تحدث عن حقائق مثيرة حول رجل آبل الأول “تيم كوك” واليوم نتحدث عبر موقع Kick Career عن “الخجول المميز” ساتيا ناديلا المدير التنفيذي لمايكروسوفت.

ساتيا ناديلا

ساتيا ناديلا- تعرف على المدير التنفيذي لمايكروسوفت
ساتيا ناديلا- تعرف على المدير التنفيذي لمايكروسوفت

بدايات ساتيا ناديلا

ولد ساتيا باكّابورام ناديلا في مدينة حيدر أباد (عاصمة ولاية تلنجانا) وهي أحد أهم المدن في جنوب الهند، وكان ذلك في 19 أغسطس 1967 ، وهو ابن لأبوين هندوسيين وهو كذلك يعتنق الديانة الهندوسية، وقد تدرج في المدارس الحكومية هناك حيث أنهى مرحلة التعليم الأساسي في مدرسة حيدرآباد العامة ثم قام بالتسجيل في معهد مانيبال (وهو المعهد ذاته الذي تخرج منه المدير التنفيذي الحالي لشركة نوكيا راجيف سوري) من أجل دراسة هندسة الكهرباء.

وفي الوقت الذي كان فيه ناديلا الصغير مهوسًا برياضة الكريكيت ولم يكن يعلم إلى أين سوف يتجه في المستقبل، كان والده مهتمًا بتعليق ملصق ضخم للفيلسوف الألماني كارل ماركس في غرفته ليحثه على التعليم، أما والدته فكانت مهتمة بأن تقوم بتعليق ملصق أكبر يحمل صورة لاكشمي أحد آلهة الهندوس والتي ترمز إلى ثمانية أشياء (التنور الروحي، الغذاء، المعرفة، الموارد، الذرية، الوفرة، الصبر، النجاح) لتساعد أبنها على تبني تلك المفاهيم في الحياة، وعلى أي حال، فإن حياة ناديلا لم تكن صاخبة قبل مرحلة التعليم الجامعي أو العمل في الشركات الأمريكية الكبرى.

التعليم

إذا كان أحدًا في عام 2020 لا يؤمن بدور التعليم الحقيقي في شق الطريق للأشخاص وبناء قدراتهم على احداث التغيير وقلب الطاولة في أي مجال، فربما هو مختلف مع أيديولوجية ساتيا ناديلا، الذي حول مسار حياته بالكامل من خلال الاجتهاد في مسيرته التعليمية التي بدأها في الهند واستكملها في الولايات المتحدة الأمريكية.

بعد أن أنهى ساتيا ناديلا دراسته في معهد “مانيبال”، كان يرغب في مواصلة التعلم في مجال علوم الحاسب، وهو ما وجده مناسبًا تمامًا في جامعة “ويسكونسن – ملواكي” ، والتي إنضم لها بالفعل وحصل منها على درجة الماجستير في التخصص ذاته.

أعقاب ذلك، كان يملك ناديلا مشروعًا طموحًا يتعلق بإدارة الشركات الكبرى، وهو ما دفعه للدراسة في واحدة من أشهر كليات إدارة الأعمال حول العالم، وهي كلية بوث التابعة لجامعة شيكاغو، ونجح مرةً أخرى في أن يتخرج منها بدرجة الماجستيرفي إدارة الأعمال، كان كل ذلك قبل أن يتسلم وظيفة واحدة رسمية.

بداية حياته المهنية والعمل في مايكروسوفت

بدأ ناديلا حياته المهنية في شركة Sun Microsystems (التي تم الاستحواذ عليها لاحقاً من قِبَل شركة Oracle) ، عمل بها لفترةً وجيزة ثم إنضم إلى مايكروسوفت التي تدرج فيها على مدار 22 عامًا منذ 1992 وحتى 2014 وهي السنة التي وصل فيها إلى منصب المدير التنفيذي للشركة.
بفترة عمله كـ موظف في مايكروسوفت شغل ساتيا منصب النائب الأول لرئيس قسم الأبحاث والتطوير في الشركة في عام 2007، وهو القسم الذي تولى رئاسته فيما بعد قبل أن ينتقل إلى رئاسة قسم الأنظمة والأدوات في فترة بلغت إيرادات هذا القسم فيها 20 مليار دولار.

كما يُنسب إلى ساتيا ناديلا أنه هو المسؤول عن تمهيد الطريق لظهور واحدة من أهم الخدمات التي تقدمها مايكروسوفت في الوقت الحالي، وهو نظام حوسبة سحابية كان يُعرف في 2008 بنظام ويندوز ازور Windows Azure والآن باسم مايكروسوفت ازور Microsoft Azure، والذي حقق أرباحًا للشركة في عام 2011 وصلت إلى 16.6 مليار دولار وبعدها بفترة قصيرة فقط تم تعينه رئيس لهذا القسم.

وفي الواقع، فإن كل تلك الإيرادات التي ساهم فيها ناديلا كان مازال مقيداً بمسؤولياته الوظيفية، ولكنه لم يكن بعد قد قاد ثورته داخل أروقة الشركة.

الرئيس التنفيذي لمايكروسوفت وبداية ثورته داخل الشركة

“لما كل هذا الصخب حول الرجل؟ فلم يكن هناك شيء كبير يذكر في حياته” كانت هذه واحدة من الكلمات التي سمعناها عن ساتيا ناديلا، ليس لكون شخص سيء ولكن – ولنكن صادقين – لأنه الرئيس التنفيذي لشركة مايكروسوفت.

مايكروسوفت كانت في فترة كبيرة من الزمن تلك الشركة “المحتكرة” في وجهة نظر الكثيرين، بل وتم اثبات ذلك بحكم قضائي عام 2000، كما أنها كانت دائماً فيما يُشبه الحرب مع شركة عملاقة بحجم آبل ما يعني أن فرص الشركتين كانت أقل في تحقيق تعاون مثمر، وكان المبرمجون لديهم أشغال شاقة لبرمجة التطبيق ذاته على أنظمة ويندوز المختلفة بالإضافة إلى منصة إكس بوكس.

ناديلا كان أمام تحدي غير مسبوق بعد أن تسلم مهمة المدير التنفيذي للشركة في 2014، العام ذاته الذي كانت تواجه فيه مايكروسوفت شبح قاتل من الممكن أن يُدمر الشركة تمامًا، فلم تكن الشركة تحصد أرباحًا تذكر في الوقت الذي غادرت فيه الشركة أسماء كبيرة كان لها تأثير مخيف، ومنهم “توني بيتس” الذي غادر الشركة ليصبح المدير التنفيذي لشركة سكايب Skype، وهو الذي كان مرشحًا ليكون المدير التنفيذي لمايكروسوفت.

وبعدها بسنوات غادر عدد آخر من قادة الشركة مثل “تيري مايرسون” الذي كان مدير نظام ويندوز، بجانب “ستيفن إيلوب” ليتولى رئاسة نوكيا، وهو الآخر كان أحد المرشحين ليصبح مديرًا تنفيذًا لمايكروسوفت، بالإضافة إلى “كيريل تاتارينوف” المدير التنفيذي لحلول الأعمال، من ثم كان “هاري شوم” رئيس قسم الذكاء الاصطناعي والبحوث هو آخر المغادرين.

وهو ما دفع الرجل لقيادة ما تسمى بـ “ثورة مواجهة الواقع”، وبالرغم من الخجل الغالب على شخصية ناديلا أمام الجميع، إلا أن ذلك لم يمنعه من إتخاذ قرارات حاسمة ذات تأثير كبير على مستقبل الشركة ووضعها المالي، وفيما يلي أبرز قرارات ساتيا ناديلا التي كانت مؤثرة في العودة التاريخية لشركة مايكروسوفت للإحتفاظ بمكانتها بين الكبار…

إنهاء الحرب مع آبل

كان من تبعات الحرب بين مايكروسوفت وآبل هو عدم تواجد برامج مايكروسوفت على نظام iOS سواءً على أجهزة آيباد أو آيفون، وكان لهذا الأمر تأثير سلبي كبير على مبيعات برمجيات مايكروسوفت العديدة، فمع الإنتشار الكبير لمستخدمي منتجات شركة آبل، كان الأمر بمثابة تضحية بحصة كبيرة من السوق من الممكن تحقيق المبيعات بها.

فكان لقرار ناديلا بإنهاء الحرب التي استمرت طويلاً مع مايكروسوف تأثير كبير على هذا الأمر، فتم العمل على تطوير برمجيات مايكروسوفت لتعمل على كافة أجهزة وأنظمة آبل، وهو القرار الذي ساهم بصورة فعالة في زيادة أرباح مايكروسوف وإحداث إنتعاشة كبيرة في وضعها المالي، وبالتأكيد الفضل الأول لهذا الأمر يعود إلى ساتيا ناديلا.

التركيز على تطوير ويندوز

عمل ناديلا مع فريق ويندوز على إطلاق أول إصدار من ويندوز 10 في 29 يوليو 2015، والذي يعد إصدار ويندوز الأكثر جمالاً والأكثر تطورًا والأكثر استقرارًا وأماناً، والذي ساهم بقوة في تعديل المشكلات الكارثية التي كانت في نظام تشغيل ويندوز 8 الذي سبقه، وكان سبب التسمية الرئيسي أن ناديلا كان يرى أن الترقية من 8 إلى 9 ليست مناسبة للكم الهائل من المميزات التي تواجدت في النظام، وقد كان محقاً!

ولا شك أن نظام تشغيل ويندوز هو أهم البرمجيات التي تملكها شركة مايكروسوفت، فبسببه كانت الشركة قد إنطلقت في 4 أبريل 1975.

قرارالاستحواذ على لينكيدإن

في يونيو 2016 نجحت مايكروسوفت تحت قيادة ناديلا في التوصل إلى اتفاق مع لينكيدإن لشراء الشركة من “وريد هوفمان” الشريك المؤسس وصاحب الحصة المسيطرة من الأسهم، وكانت الصفقة بقيمة مالية وصلت إلى 26 مليار دولار، أي ما يزيد عن قيمة رأس المال من الأسهم وقتها بما يقدر بنسبة 50 في المئة.

كانت هذه الصفقة يشوبها العديد من المخاطر نظراً لمعاناة لينكدإن وقتها من إنخفاض كبير في الأرباح، إلا أن الوقت وحده أثبت صحة قرار ناديلا بأنها واحدة من الصفقات الناجحة لشركة مايكروسوفت على الصعيد المالي، ليحقق لينكدإن وحده أرباح بما يعادل 6.8 مليار دولار بنهاية عام 2019، لتساهم في وصول أرباح مايكروسوفت لهذا العام إلى 38.1 مليار دولار.

الإنضمام لمؤسسة لينكس

في نوفمبر من العام ذاته، أعلنت مايكروسوفت أنها سوف تنضم إلى مؤسسة لينيكس Linux Foundation بأعلى عضوية متاحة (البلاتينية) وستدفع لقاء ذلك 500 ألف دولار سنويًا، على أن يكون لها مقعد في مجلس الإدارة.

هذا القرار كان صائبًا من عدة نواحِ، فالشركة المتهمة بالاحتكار الآن هي على رأس مشروع برمجي قائم بالكامل على أنظمة مفتوحة المصدر Open Source، وساعد هذا الشركة في التخلص من العديد من الإتهامات التي طالما طاردتها سوق التكنولوجيا، إضافةً إلى الاستفادة الكبيرة التي حققتها من الأدوات المتوفرة في لينيكس في مشروعاتها الحديثة.

الاستثمار في OpenAI

في عام 2019، قرر ناديلا الاستثمار بمبلغ 1 مليار دولار في شراكة مع شركة OpenAI – الشركة الغير ربحية المتخصصة في أبحاث الذكاء الإصطناعي، والتي تم تأسيسها من قِبَل شخصيات شهيرة أبرزها إيلون ماسك – وكانت الشراكة بهدف الترخيص لمايكروسوف لاستخدام برمجيات الشركة وتطويرها، واسهام OpenAI في تطوير خدمة Azure السحابية، كما أنه تم الاعلان عن مشروع لغة برمجة موحدة ليعمل عليها كل مطوري البرمجيات الخاصة بشركة مايكروسوفت لمنتجاتها المختلفة، وهو أمر متوقع له نجاح كبير.

ختامًا، فإن 19 أغسطس المقبل لهذا العام سوف عيد ميلاد ناديلا الـ 53، الذي كان طفلاً خجولاً في مدينة هندية فقيرة والآن هو أحد أغنى الرجال في العالم وأكثرهم تأثيرًا في صناعة القرار داخل مؤسسة عملاقة كـ مايكروسوفت، وهذا يعني أن وجودك بدولة نامية ولكن بأحلام وطموح وموهبة وإيمان بها وبقوة العلم، قد ينتهي بك لتحقق شئ فريد وتصل لمكانة كبير كالتي وصل إليها ساتيا ناديلا.

الوسوم

محمد أحمد

كاتب ومحرر صحفي مستقل، لدي خبرات بإدارة المحتوى والتصميم، ومستشار فني في شركة Playrs.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
);
إغلاق
إغلاق